هل يشترط لإقامة الْجُمعة عدد مخصوص؟ اختلف فِي ذلك على نَحو خسمة عشر قولاً؛ فقيل: تصح بأربعين. استدلالاً بِحديث كعب بن مالك الذي تقدم لنا عند ابن الْجارود حسب ترتيب أحاديث الباب رقم (10): أن أسعد بن زرارة صلَّى بِهم بالْمَدينة وكانوا أربعين. وقال بعضهم: تصح باثنَي عشر رجلاً لِحديث جابر بن عبد الله الذي تقدَّم ذكره عند ابن الْجَارود فِي الْمُنتقى رقم (11) وهو عند مسلم قال: أقبلت عيرٌ ونَحن مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نصلِّي الْجُمعة، فانفض الناس ما بقي غير اثنَي عشر رجلاً فنزلت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾; [الْجُمعة: 11]. وذكروا أقوالاً أخرى من هذا الاستدلال وأبعد، وحتى لا أطيل عليك بذكر الْخِلاف الذي لا ينتج عنه كبير فائدة؛ فأكتفي بِمَا ذكره عدد من أجلة العلماء الْمُحدِّثين والفقهاء البارزين. ذكر الْحَافظ ابن حجر فِي بلوغ الْمَرام: حديث جابر بن عبد الله رضي لله عنهما قال: مضت السنة أن فِي كل أربعين فصاعدًا جُمعة. رواه الدارقطنِي فِي سننه (2/3-4)، وضعفه الْحَافظ فقال: إسناده ضعيف. قال العلامة ابن الأمير الصنعاني -رحِمه الله- فِي شرح هذا الْحَديث من سبل السلام (2/476): وذلك أنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحْمَن، قال فيه أحْمَد: اضرب على أحاديثه؛ فإنها كذب أو موضوعة، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطنِي: منكر الْحَديث. وقال ابن حبان: لا يَجوز أن يُحتج به. قال الصنعاني: فِي الباب أحاديث لا أصل لَها. وقال عبد الْحَق وهو الإشبيلي: لا يثبت فِي العدد حديث. قال الصنعاني: وقال أبو حنيفة: وبعض الشيعة: تنعقد الْجُمعة بثلاثة مع الإمام، وهو أقل عدد تنعقد به؛ لأن الْخِطاب فِي الآية ﴿فاسعوا إِلَى ذكر الله﴾; للجماعة، وأقل الْجَمع ثلاثة. قلت: بل أقل الجمع اثنان؛ لقول الله تعالَى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾;. وقوله تعالَى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدون﴾;. ونظائر ذلك كثير في القرآن والسنة. قال الصنعاني: ولا دليل على تعيين العدد من الكتاب والسنة. اهـ الْمُراد. وقال صاحب حدائق الأزهار، فِي سياق ما تصح به الْجُمعة: إنها تصح بثلاثة مع مقيمها. فتعقبه الشوكاني فِي السيل الْجَرار (1/297) فقال -رحِمه الله-: أقول: هذا الاشتراط لِهَذا العدد لا دليل عليه قط، وهكذا اشتراط ما فوقه من الأعداد، وأما الاستدلال بأن الْجُمعة أقيمت فِي وقت كذا(1) وعدد من حضرها كذا؛ فهذا استدلال باطل لا يتمسك به من يعرف كيفية الاستدلال، ولو كان هذا صحيحًا لكان اجتماع الْمُسلمين معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فِي سائر الصلوات دليلاً على اشتراط العدد. والْحَاصل: أن صلاة الْجَماعة قد صحت بواحد مع الإمام. وصلاة الْجُمعة هي صلاة من الصلوات؛ فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الْجَماعة فعليه الدليل ولا دليل، فإثبات مثل هذه الشروط بِمَا ليس بدليل أصلاً فضلاً عن أن يكون دليلاً على الشرطية مُجازفة بالغة وجرأة على التقول على الله وعلى رسوله وعلى شريعته، والعجب من كثرة الأقوال فِي تقدير العدد حَتَّى بلغت خَمسة عشر قولاً وليس على شيء منها دليل يستدل به قط، إلا قول من قال: إنها تنعقد جَماعة الْجُمعة بِمَا تنعقد به سائر الْجَماعات.اهـ. ثُمَّ إنه كرر ذلك ورجح ما قاله هنا فِي كتابه نيل الأوطار (3/264) طبعة الْحَلبِي. وقال الإمام أبو مُحَمَّد بن حزم فِي الْمُحلَّى (5/46) مسألة (522): وأما العدد الذي يصلي الإمام فيه ركعتين؛ فقد اختلف فيه ... وبعد ذكر الاختلاف أورد تلك الأقوال النائية فِي كلام طويل ثُمَّ رجح أن الْجُمعة تصح بِمَا تصح به الْجَماعة. ونقل العلامة الألباني -رحِمه الله- بعض كلام الإمام الشوكاني -رحِمه الله- من السيل الْجَرار فِي سلسلته الضعيفة (3/349) عند حديث رقم (1204) ثُمَّ قال: وهذا هو الصواب. وسمعت تكرارًا ومرارًا من شيخنا العلامة الوادعي الفتوى بِهذا القول وهو منقول عن الطبري والنخعي. وقال السيوطي: لَمْ يثبت فِي شيء من الأحاديث تعيين عدد مَخصوص. نقل هذا سيد سابق فِي فقه السنة وقال به. قلت: وبِما أنه لَمْ يثبت نص فِي تَحديد العدد الذي تصح به الْجُمعة؛ فلا مزيد عندي على ما ذكره هؤلاء الأئمة -رحِمَنا الله وإياهم-، ومن قال غيره فلا يقبل منه إلا بدليل صحيح، وهيهات له ذلك. فنكتفي به عن ذكر الْخِلاف الْمَشهور الذي ألف فيه شمس الْحَق آبادي رسالة مستقلة فِي أنه على أهل القرى جُمعة، وبوب عليها الإمام البخاري فِي صحيحه: الْجُمعة فِي القرى والْمُدن، وذكر حديث ابن عباس أن أول جُمعة جُمعت بعد جُمعة فِي مسجد رسول الله فِي مسجد عبد القيس بِجواثي قرية من البحرين. اهـ. ونَحن استغنينا عن بسط تلك الْمَسألة؛ لأنا نقول: إذا وجدت جَماعة من الْمُسلمين فِي أي مدينة أو قرية وجبت عليهم الْجُمعة ولو لَمْ يكتمل لَهم عدد اثنَي عشر أو غيره من الأعداد، ما لَمْ يكن لَهم عذر شرعي من سفر أو مطر أو خوف أو نَحو ذلك. تنبيه: نقل الإجْمَاع على اشتراط الْجَمع من الناس فِي الْجُمعة، واختلفوا فِي قدر العدد؛ انظر الْمَجموع (4/371). والراجح: أنها تصح بِمَا تصح به الْجَماعة كما تقدم بيان ذلك. والحمد لله. * * * * *
الشيخ يحيئ الحجوري
المعلومات الواردة في هذه الصفحة
لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وإنما تعبر عن
وجهة نظر كاتبها أو قائلها
جميع الحقوق محفوظة لشبكة المعرفة
الإسلامية
يحق لك أخي المسلم الاستفادة من محتويات الموقع في
الاستخدام الشخصي غير التجاري